النويري

219

نهاية الأرب في فنون الأدب

ولقد كنت يوما قاعدا في هذه الطَّيّارة ، فدخل الخادم فقال : على الباب امرأة عجوز ، تذكر أنها من عند بنت شاه أرمن - صاحب خلاط . فأذنت لها ، فدخلت ، ومعها ورقة من عند بنت صاحب خلاط ، تذكر أن الحاجب « علىّ » « 1 » قد أخذ ضيعتها وقصد هلاكها ، وما تتجاسر أن تظهر ، خوفا منه . فكتبت على الورقة بإطلاق القرية ، ونهيت الحاجب عنها . فقالت العجوز : هي تسأل الحضور بين يديك ، فعندها سرّ ما يمكن ذكره إلا للسلطان ! فأذنت لها . فتوجّهت وعادت بعد ساعة ، ومعها امرأة ما رأيت في الدنيا أحسن من قدّها ، ولا أظرف من شكلها ، كأن الشمس تحت نقابها ! فخدمت ووقفت . فقمت لها وقلت : وأنت في هذا البلد ، وما علمت بك ؟ ! فسفرت عن وجهها فأضاءت منه المنظرة ! فقلت : غطَّ وجهك ، وأخبرينى بحالك . فقالت : أنا بنت شاه أرمن ، صاحب هذه البلاد . مات أبى ، واستولى بكتمر على الممالك ، وتغيرت الدّول ، وكانت لي ضيعة أعيش منها ، أخذها الحاجب « علىّ » وما أعيش إلا من عمل النّقش ، وأنا ساكنة في دار بالأجرة ! قال : فبكيت ، وأمرت الخادم أن يكتب لها توقيعا بالضّيعة وبالوصيّة ، وأمرت لها بقماش من الخزانة ، وأمرت لها بدار تصلح لسكنها ، وقلت باسم اللَّه ، امضى في حفظ اللَّه ودعته .

--> « 1 » هو الحاجب علي بن حماد الموصلي ، الملقب بالأمير حسام الدين . كان نائب الملك الأشرف بخلاط . ( ابن خلكان : ج 4 - ص 417 )